السبت، 25 أكتوبر 2014


كأس بيرة إلى البحّار حنّا


«إيطاليا 90» لـ «ماكي» ــــ بريطانيا
علي بدر
view counter
بثلاث ساعات، وخمس كؤوس بيرة «غينيس»، والعديد من سجائر «المارلبورو»، روى لي حنّا قرناً كاملاً من تاريخ عائلته في مدينة البصرة.
كنت قد التقيت حنّا أول مرة عام 2003 في مقهى «الهافانا» في دمشق. كان يقرأ صحيفة لم أسمع باسمها من قبل، تختصُّ بعالم البحار، ويجلسُ قبالة الفاترينة المواجهة لجسر فكتوريا، ينتظر حدثاً ما. ثمّ التقيته بعد عامٍ في بار صغير في بروكسل، أو بالأحرى حانة المهاجرين التي تقع قرب محطة قطارات الشمال «لا ستاسيون دو نور»، حيث يقع حي العاهرات البلغاريات والرومانيات في سكاربيك.

وكنت قد فوجئت بعامل البار التركي، بصديريته الخضراء، وشاربيه الكبيرين، وقد وضع له زجاجة النبيذ على الطاولة وأطلق عليه لقب: البحار القديم. اللقب ذاته الذي كنت قد أطلقته عليه أول مرة، عندما رأيته في دمشق، بعد يومين من اجتياح العراق.
بعد عام من ذلك اليوم، كنت قد عرفت من أشخاص عديدين، أنه روى لرواد البار قصة حياته أكثر من مرة، وحكى لهم أكثر من مرة كيف كان بحاراً في ميناء البصرة في السبعينيات. وعرفت ممن كانوا يرتادون مقهى المهاجرين، أنه روى لهم كل شيء عن تاريخ عائلته: بنات أخ، أبناء عم، أخوات، أجداد، أسلاف… قال لهم إن بعضهم يعيش الآن على شاطئ معزول من ضواحي كاليفورنيا في أميركا، وبعضهم مهاجرون في أستراليا، وبعضهم في استوكهولم، أما الباقون فهم في البصرة، ميناء هذا البلد المنهك، حيث يمكن توقع حدوث الأسوأ دائماً.

■ ■ ■
بعد رحيله إلى لندن، اعتاد الجلوس في حانة إنكليزية رخيصة في حي سوهو، يعرفها جميع المهاجرين تقريباً، وما أن يدخل، حتى يصرخ:
كأس بيرة «غينيس» إلى البحار القديم...
- كم سعر الكأس...
- ثلاثة باوندات...

■ ■ ■
اعتاد البحار القديم أن يتحدث لزبائن الحانة عن قصة حبه عام1977، حين كان بحاراً على ظهر الباخرة تموز التي تمخر عباب الخليج وتصل إلى أفريقيا.

عجوز يشبه عجوز همنغواي، كان مسحوراً بمشاهدة تساقط المطر على زجاج الحانة


يقول للنساء الإنكليزيات إنه ضاجع الآسيويات مرات عديدة
تحدث عن ملابسه البيض المخططة بالأزرق التي يرتديها البحارة العراقيون عادة، عن شبابه اليافع، وهيام النساء الزنجيات به حينما وصل أول مرة إلى خليج
كوبا.
وقف أمام النادل مرة وتحدث عن جنوح الباخرة في بومباي، وكيف رأى الرمل المتألق في شمس الصباح على الخليج الهندي، وقارن المناخ هناك بالأمطار في بانكوك، حيث كان حارس الميناء العجوز يرتدي معطفه المطري، ويشير بالمصباح إلى السفن.
لم يكن ينسى أبداً ميناء طنجة، حين جلس مرة على المرسى، حيث كانت سخونة الليل تصعد آتيةً من الأعماق، فتزيد من صلابة أجساد النساء على الساحل، وترسخ الشهوات على الأفخاذ.
كان يجلس كل يوم في الحانة متسلحاً بالخريطة والقمباص، في ساعة الغداء على الدوام، حيث تضج البارات الإنكليزية في سوهو بالموظفين الذين يرتدون البدلات والأربطة. يخرج حنا لهم الخريطة ويفرشها على الطاولة، يؤشر بيده على بقعة سوداء وسط محيط أزرق. يقول لهم: انظروا هنا. هذه آسيا. يشرب من كأس البيرة الكبيرة حتى تدمع عيناه، ثم يمسح شاربيه بيده. من هنا تهب الرياح الموسمية، إنها رياح الشرق المصحوبة بالخطر، حيث يغلق اليابانيون على أنفسهم داخل بيوتهم، محتمين بالسقوف المصنوعة من ورق الأشجار، ويتدثرون بفرشهم المؤرجحة المنسوجة من سعف السيزال.
يضحك الموظفون الإنكليز وهم يضعون الصحون أمامهم...
■ ■ ■
منذ سنوات بعيدة، وما زال البحار القديم يؤشر على بقعة سوداء على الخريطة، ويقول إن التايلنديين لا ينتظرون أحداً، لأنهم لا ينامون، فبلادهم هي مكان التربص الدائم، ونساؤهم كن يرصدنه في الليل كما لو أنه وعل فوق هضبة.
يقول حنا للنساء الإنكليزيات والمهاجرات، إنه ضاجع الآسيويات في حياته مرات عديدة، ضاجعهن وهن يصغين إلى الهمهمات الهاربة التي تحملها الرياح، وإلى البرد الذي يصعد من رمال الساحل، وإلى الرغبات الكامنة في باطن البحر، بينما خفافيشه تطير في الظلمة، صائحة في تيارات الهواء.

■ ■ ■
ها هو الآن أمامي رجل يشعر بالهزيمة والكآبة، بحار كان قد عرف البصرة وأضواءها في الليلة السابقة لٍلحرب مع إيران، عام 1980. وكان يحلم بمدينة عظيمة، وبفصل الشتاء فيها، وتساقط المطر على بيوتها الصغيرة.
لقد سافر كثيراً في البحر، ومرّ بمدن كثيرة، مدن ساحلية بيوتها ذات مداخن وسقوف قرميد مائلة، لكنه الآن مصاب بأرق دائم، ومجنون بمحيط كبير ومظلم، بعدما فقد شقيقه جوزيف النائب عريف في الحرب مع إيران، ومات والده ياقو الذي كان يربي الطيور في الخمسة ميل، ورحلت حبيبته الفتاة الغامضة التي كانت تعشق الأفلام المصرية إلى مكان مجهول، ثم انتحر صديقه، ذلك الشاب الذي لا يكف عن الحديث عن ولعه بالهروب من العراق إلى أوروبا، والذي كان يستحم كل ليلة في نهر دجلة، غير أنه اختفى في الموج ذات يوم، من دون أن يعرف أحد إن كان اختفاؤه هروباً أو انتحاراً...

■ ■ ■
بعد سنوات التقيته في موقف الباص. كان ثملاً تماماً، شعره أبيض ولحيته طويلة، ملابسه رثة، كان يعيش خيبة أمل كبرى بعد الحرب، ولا يجد مجالاً للتغيير إلا في استذكار أحداث كثيرة، منها وزراء العصر الملكي، وثورة عبد الكريم قاسم أواخر الخمسينيات، والعصر الذهبي للفرقة السمفونية العراقية، والقمع الذي عاناه الشيوعيون في سنوات السبعينيات، والمنشقون التروتسكيون الذين عارضوا التأثير السوفياتي... وقبل أن أصعد الباص أخذ مني سيجارة، أشعلها بيدين مرتجفتين، ورحل...

■ ■ ■
قبل أيام رأيته مرة أخرى في لندن، بحار عجوز يشبه عجوز همنغواي، يجلس في حانة إنكليزية في «إجوارد رود» تقع على مقربة من البازار العربي الذي يفتتح يوم الجمعة، كان مسحوراً بمشاهدة تساقط المطر على زجاج الحانة، وبسماع صوت بيبي كنيغ الذي ينبعث من زاوية معتمة، ويتلذذ بطعم البيرة الأيرلندية القوية التي دفع للنادل عنها ثلاثة باوندات من محفظته...ثم جلس عند النافذة وحده.
إنه بحار قديم، ترك خلفه بلداً متهالكاً من الحرب، من دون أن يكف عن الحلم بالعودة مرة أخرى إلى خليج البصرة...

كلمات
العدد ٢٤٢٧ الجمعة ٢٤ تشرين الأول ٢٠١٤

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2014

ملامح خريطة جديدة للشرق الأوسط
تحرير وترجمة: رشا سعيد
خاص لكتابات
   نشرت صحيفة "النيويورك تايمز" الأمريكية أمس الاثنين 29 سبتمبر، مقالا تحليليا للباحث والأكاديمي في معهد السلام الأمريكي، روبين رايت، Robin Wright يرسم فيه ملامح خريطة جديدة للشرق الأوسط، تتحدد من واقع الاضطرابات والحروب الأهلية والانقسامات الطائفية التي تضرب الشرق الأوسط العربي بالكامل منذ ما يقرب من أربع سنوات.
   حسبما يقول رايت، فإن الانقسامات لن تطال سوريا والعراق فحسب. وهما البلدان اللتان لطالما شهدتا اضطرابات سياسية وانقسامات على خلفيات إثنية وطائفية. بل إن هذه الانقسامات قد تطال دولا شبه مستقرة مثل المملكة العربية السعودية، إذ يشير رايت إلى أزمة انتقال السلطة في البلاد إلى جيل جديد، وأزمة البطالة، وقرب نفاذ مخزون النفط السعودي، وهي العوامل التي قد تثير كوامن النزاع هناك في المدى المتوسط.
- نص التحليل:
   خارطة الشرق الأوسط الحديث، محور النظام الدولي على المستويين السياسي والاقتصادي، في حالة يرثى لها. تعتبر الحرب السورية المدمرة نقطة تحول في هذا السياق. ولكن قوى الطرد المركزية للعقائد، القبائل، والإثنيات المتناحرة – معززة بتداعيات غير مقصودة للربيع العربي – تمزق الإقليم الذي تشكل قبل قرن مضى على يد القوى الاستعمارية الأوروبية، وناضل من أجله الأوتوقراطيون العرب منذ ذلك الحين.
   سيكون ظهور خريطة جديدة للشرق الأوسط تغيرا استراتيجيا لقواعد اللعبة بالنسبة للجميع تقريبا، ربما يعيد تشكيل تحالفات، تحديات أمنية، حالة تدفق التجارة والطاقة إلى كثير من دول العالم أيضا.
   الوضع الجغرافي لسوريا يجعل منها مركزا استراتيجيا للشرق الأوسط. ولكنه بلد معقد، غني بالتعددية الدينية والإثنية، ومن ثم هش. عقب الاستقلال، شهدت سوريا أكثر من نصف دستة انقلابات ما بين 1949 و 1970، عندما حازت عائلة الأسد السيطرة الكاملة. الآن، بعد 30 شهرا من نزيف الدماء، تحول التنوع إلى تناحر قاتل، يقتل الناس ويذبح البلد أيضا. انقسمت سوريا إلى ثلاثة أقاليم، كل منها له علمه وقواته الأمنية الخاصة به. يجري الآن تشكيل مستقبل جديد: دويلة صغيرة على امتدد الممر من الجنوب عبر دمشق، حمص، حماة حتى الشمال على ساحل المتوسط، تسيطر عليها الأقلية العلوية التي تنتمي إليها عائلة الأسد. في الشمال، كردستان صغيرة، والتي تتمتع باستقلال ذاتي إلى حد كبير منذ أواسط 2012. والكتلة الأكبر وسط البلاد تسيطر عليها الأغلبية السنية.
   سيضع تفكك سوريا سوابق للإقليم، ولنبدأ بالجوار السوري. حتى الآن، قاومت العراق التمزق بسبب الضغط الخارجي، الخوف الإقليمي من مضيها في اتجاه مغاير وثروة النفط التي تشتري الولاءات، أقله على الورق. ولكن سوريا الآن تجذب العراق إلى دوامتها.
   ذكر مبعوث الأمم المتحدة مارتين كوبلر أمام مجلس الأمن في يوليو الماضي أن ساحات القتال تتداحل. وقال : "إن العراق هي الخط الفاصل بين العالميت الشيعي والسني وأن كل شئ يحدث في سوريا، بالتأكيد له تداعياته على الساحة السياسية في العراق".
   بمرور الوقت، ربما تشعر الأقلية العراقية السنية – أهم تكتلاتها في محافظة الأنبار، موطن الاحتجاجات المناهضة للحكومة – أنها أقرب إلى الأغلبية السورية السنية في الشرق. تمتد الروابط القبلية والتهريب عبر الحدود. معا، بإمكانهم تشكيل دولة "سنة ستان" مؤقتة أو رسمية. أما الجنوب العراقي فسيتحول بالضرورة إلى "شيعة ستان"، رغم أن الانفصال لا نتظر أن يتم بهذا الشكل المنظم.
   بين الحزبين السياسيين الكبيرين في المنطقتين الكرديتينفي سوريا والعراق اختلافات عميقة الجذور، ولكن عندما انفتحت الحدود في أغسطس، فر أكثر من 50 ألف سوري إلى كردستان العراق، لينشأ تجمعات كرديان عبر الحدود. كذلك، أعلن رئيس كردستان العراق، مسعود برزاني، عن خططه للقمة الأولى والتي تجمع 600 كردي من نحو 40 حزب في العراق، سوريا، تركيا وإيران نهاية هذا العام.
   قال، كمال القراقولي، المتحدث السابق باسم البرلمان الكردي، حول محاولة حشد الأكراد لمناقشة مستقبلهم: "إننا نشعر أن الظروف الآن مناسبة".
   لعبت أطراف خارجية طويلا بالشرق الأوسط: ما الذي كان سيحدث لو لم تقسم الأطراف الخارجية الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى؟ أو لو عكست الخريطة الحقائق والهويات الجغرافية؟ أغضبت الخرائط المعاد تشكيلها العرب، واعتبروها مؤامرات خارجية لتقسيمهم وإضعافهم مرة أخرى.
   لم أكن يوما ممن يلعبون بالخرائط. لقد عشت في لبنان أثناء حرب أهلية استمرت 15 عاما ورأيت أن بإمكانها البقاء من دون أن تنقسم إلى 18 قسما. كذلك، لم أعتقد أن العراق قد تنقسم أثناء الحرب الشريرة التي استمرت في 2006-2007. ولكن محفزات مزدوجة غيرت من تفكيري.
   الربيع العربي كان الشرارة التي أشعلت النيران. لم يرغب العرب فقط في الإطاحة بالدكتاتوريات، بل رغبوا في سلطة غير مركزية تعكس الهويات المحلية أو الحق في الموارد. بعدها وضعت سوريا قواعد المباراة لنفسها والحكمة التقليدية بشأن الجغرافيا.
   ربما يتم رسم الحدود الجديدة بطرق متفاوتة، وربما فوضوية. قد تنقسم البلاد إلى ولايات فيدرالية، تقسيم ناعم أو حكم ذاتي، ينتهي بانفصال جغرافي تام.
   كانت الانتفاضة الليبية بشكل جزئي ضد حكم معمر القذافي. ولكنها أيضا عكست رغبة    بني غازي في الاستقلاب عن طرابلس المهيمنة. تتباين القبائل هناك. تتجه القبائل الطرابلسية إلى المغرب، أو غرب العالم الإسلامي، بينما تنظر قبائل برقة باتجاه المشرق، أو شرق العالم الإسلامي. بالإضافة إلى هذا، تأخذ العاصمة أكثر من نصيبها في عائدات النفط، حتى لو كان إجمالي الإمدادات القادمة من الشرق أكثر من 80%.
   إذن قد تتفكك ليبيا إلى قطعتين أو ثلاث. أعلن المجلس الوطني في برقة استقلاله في يونية. كذلك فإن لجنوبي فزان قبائله المنفصلة وهوياته الجغرافية. أقرب في ثقافتها، قبائلها وهوياتها إلى الساحلية عن شمال إفريقيا، قد تنفصل أيضا عن ليبيا.
   تعاني دولا أخرى تفتقر إلى الهوية الجمعية والرابطة السياسية من الضعف، تكافح الديمقراطيات الناشئة كي تحيط الدوائر المتباينة بتوقعات جديدة.
   عقب الإطاحة بالدكتاتور اليمني، بدأت اليمن في حوار وطني متقطع في مارس لإرساء نظام جديد. ولكن في بلد مزقته طويلا احتجاجات الشمال وانفصاليوا الجنوب، فإن النجاح ربما يعتمد على تبني فكرة الفيدرالية – ووعد بالسماح للجنوب بالتصويت على الانفصال.
   ربما تكون الخريطة الجديدة أشد إثارة للاهتمام. يضج العرب حول تداخل جزء من الجنوب اليمني مع السعودية. معظم الجنوبيون من السنة، مثلهم مثل معظم السعوديون؛ الكثير منهم لهم عائلات في المملكة. بوصفهم أفقر العرب، فإن اليمنيين ربما يستفيدون من السعوديون الأغنياء. بدورهم، قد يحصل السعوديون على منفذ للتجارة على بحر العرب، الأمر الذي يقلص من اعتمادهم على الخليج العربي ويخفف من مخاوفهم بشأن سيطرة إيران الحقيقية على مضيق هرمز.
   الأفكار الأكثر إثارة تتعلق ببلقنة السعودية، في بلد جمع القبائل المتناحرة معا بالقوة بواسطة قبضة الإسلام الوهابي. تبدو المملكة آمنة ونحن ننظر إليها من زجاج الأبنية المرتفعة والطرق السريعة ذات الحارات الثمان، ولكنها لا تزال لديها ثقافاتها المختلفة، هوياتها القبلية المتمايزة والتوترات بين أغلبية سنية، وأقلية شيعية تتمركز أساسا في الشرق الغني بالنفط.
   تتعمق الإحباطات الاجاماعية بفضل الفساد المنتشر وبطالة تطال نحو 30% من الشباب في بلد منغمس في الملذات، ربما ستضطر إلى استيراد النفط خلال عقدين من الزمن. بانتقال العرش إلى جيل جديد، سيكون على آل سعود الدخول في عملية جدلية من إنشاء عائلة حاكمة جديدة تتألف من آلاف الأمراء.
   ربما تحدث تغيرات أخرى مؤقتة. المدن – الدول – واحات تجمع بين هويات مزدوجة مثل بغداد، جيوب مسلحة جديا مثل مصراتة، ثالث أكبر مدينة في ليبيا، أو مناطق تتمتع بحكم ذاتي مثل جبل الدروز في الجنوب السوري – ربما تعود مرة أخرى، حتى ولو كانت تكنيكيا داخل دول أخرى.
   بعد عقد من تشكيل المغامر والدبلوماسي البريطاني السير مارك سايكس والمبعوث الفرنسي جورج بيكو للإقليم، تجذرت الوطنية بدرجات متفاوتة في بلدان تشكلت وفق لهوي الإمبرياليين ومصالحهم التجارية وليس المنطق. السؤال الآن هو ما إذا كانت الوطنية أقوى من المصادر الأقدم للهوية وبإمكانها الصمود أثناء صراع أو مراحل انتقالية قاسية.
   يحب السوريون أن يدعوا أن الوطنية ستطفو على السطح فور انتهاء الحرب. المشكلة أن سوريا الآن بها وطنيات مزدوجة. "التطهير" مشكلة متنامية. وتعزز المدافع من الاختلافات. الانقسام الطائفي يرسم ملامح الانقسام بين السنة والشيعة بأشكال لم يشهدها الشرق الأوسط الحديث من قبل.
   ٍولكن عوامل أخرى قد تحمي الشرق الأوسط من الانقسام – الحكم الرشيد، التوزيع العادل للخدمات والأمن، العدالة، الوظائف وعدالة توزيع الموارد، أو ربما العدو المشترك. البلدان هي بالضرورة بمثابة تحالفات صغيرة بين سكانها. ولكن تلك العوامل تبدو أبعد عن العالم العربي. وكلما استعرت الحرب السورية، كلما كان عدم الاستقرار والمخاطر أكبر على الإقليم ككل.
* المصدر: New York Times.

الجمعة، 22 أغسطس 2014


يَا بْنادَمْ.. 
دادَه إبْهيده اعْلَى بَخْـتَكْ 
لا تِعِتْ بيهَا
روحي إنْـحَـلَتْ
والشوگ.. يَا بْنادَمْ ماذيهَا
ماچَنْهَا ذيچْ الروحْ.. يَا بْنادَمْ
ولا چَنْهَا كِلْهَا جروحْ.. يَا بْنادَمْ
والشوگْ ماذيهَا
شْـما لَـكْ تِعِتْ بيهَا .
تَسْيورَة ..
عمري وْياكْ يَابْنادَمْ
غَفْلَه وَ أخَذْني الطيفْ
وْ لَـنْـهَا بْـحَلاةْ النومْ
يَا بْنادَمْ
روحي عْـلَى روحَكْ ضيفْ
وَكْـفَه بْهواكْ سْنينْ
كَـيِّـفْ تَـرانَـي بْكيفْ
وْراكِـدْ بْروحي المايْ
ثـاريهَا غيمَةْ صيفْ.
بَچْيِّ الشموعْ الروحْ يَـابْنادَمْ
بَسْ دَمعْ مامِشْ صوتْ
رَفَّـتْ جِنِحْ مَكسورْ يابنادم
گلبي يِرِفْ بَسْكوتْ
لاهِـي سنَة وسنتين ياَبْنادَمْ
ولاهيَّ صَحْوَة موتْ
حَسْـبَةْ عمر عَطْشانْ
والمايْ حَدْرَه يْفوتْ

الخميس، 21 أغسطس 2014


‫#‏جيش‬ المجاهدين في العراق
١-جماعة سلفية، تأسست مطلع عام ٢٠٠٥، من إتحاد( كتائب الجهاد) في الموصل بقيادة الشيخ أبي معاذ الرفاعي، و(جيش الجهاد) في بغداد وصلاح الدين وكركوك والكرمة والفلوجة وناحية العامرية بقيادة الشيخ أبي سعيد العيساوي، و(سرايا الجهاد) في الرمادي وغرب الأنبار وديالى بقيادة الشيخ أبي علي الكربولي.. وأطلق عليه أسم جيش المجاهدين في العراق، وتم أختيار الشيخ أبي سعيد العيساوي أميرا له، والشيخ أبي معاذ نائبا له..
٢-جماعة ليست بتكفيرية، معظم تمويلها ذاتي، جاء من خطف بعض الصحفيين في عام ٢٠٠٥، لديها خبرات عسكرية من ضباط الجيش السابق، مركز ثقلهم في عشيرتي البوعيسى والجميلة في الأنبار..
٣-لهم موقع إلكتروني بأسم( التمكين)، ولديهم ردود علمية واعتراضات منهجية على كتابات ومناهج تنظيم القاعدة منذ جيل الزرقاوي ولغاية الآن..
٤-في نهاية عام ٢٠٠٦ ألقي القبض على أمير الجيش أبي سعيد العيساوي من قبل الجيش الأمريكي، وأطلق سراحه بصفقة وساطة عام ٢٠٠٨ قام بها كل من الدكتور محمود المشهداني وأبي عزام التميمي، مقابل التعاون مع أنصار السنة جماعة سعدون القاضي والجيش الإسلامي في إنشاء الصحوات.. لكنه نكث بالإتفاق وخرج الى سورية ومن هناك أصبح يقود الجيش!!
٥-على أثر اعتراضات جيش المجاهدين على منهج القاعدة.. حدثت بينهم صدامات عديدة أولها في هوررجب عام ٢٠٠٦ وذهب ضحيتها (١٨) شخص من جيش المجاهدين، ثم في بهرز والبزايز والكاطون في ديالى ذهب ضحيتها قريب (٦٨) شخص من الطرفين..
٦- بسبب أعتقال الشيخ أبي سعيد أختلف الذين بعده على القيادة، فأنقسم الجيش الى ثلاث أقسام عام ٢٠٠٧، جيش المجاهدين في العراق بقيادة أبي فاطمة الشورتاني، وجيش المجاهدين المرابطين بقيادة أبي معاذ الرفاعي، وجيش المجاهدين( جماعة أبي جندل) بقيادة أبي علي الكربولي..
٧- منهجه السياسي يشبه منهج حارث الضاري فهم بالضد من تشكيل الصحوات والمشاركة السياسية والمشاركة الحكومية..وهم يختلفون مع الضاري باتباع منهج السلف وايضا هم مع مشروع إقامة الأقليم السني..تعتبر أقوى الفصائل المسلحة السنية المعتدلة في العراق..
٨- يجوزون قتل المليشيات والتشكيلات الشيعية المسلحة وهم يعملون على التصدي للمشروع الأيراني في المناطق السنية، ولم يثبت عليهم القتل على الهوية الطائفية أو المذهبية، مرحب بهم في الأردن وتركيا وقطر..
٩-حاليا يتواجدون في مناطق حزام بغداد الشمالي وكركوك ووسط الفلوجة والصقلاوية والبغدادي والكرمة وذراع دجلة وعامرية الفلوجة واليوسفية والسعدان والعرسان.. وقعت بينهم وبين جماعة البغدادي خصومات وجدل بسبب تواجدهم في اماكن مشتركة ورفضهم بيعة البغدادي.. وتصاعدت وتيرة الخلافات حتى أغتيل محمد سعيد الجميلي وهو احد أبرز قيادات جيش المجاهدين في السادس من تموز ٢٠١٤ في منطقة الكرمة..ومعه الطبيب ناجي العيساوي، واليوم ٢١ آب حدثت معركة واسعة في الكرمة واليوسفية على آثر استحواذ جماعة البغدادي على سيارة خاصة لجيش المجاهدين وقتل أحد الركاب وجرح أثنين، ومحاولة دولة البغدادي نزع السلاح منهم أو فرض البيعة للبغدادي!!
!

الأحد، 8 يونيو 2014

لن ينام العراقيون تلك الليلة

مشرق عباس


في الغالب لن تسنح لأحد فرصة النوم هانئاً في الليلة التي تسبق تقسيم العراق. سيتقلب اصحاب القرار في أسرّتهم طويلاً. انهاء دولة من الوجود تحت بند «القتل الرحيم» سيقض مضاجع الجميع، الجيران والقوى العظمى والدول التي تنتظر دورها على لائحة التقسيم، وقبل ذلك شعب هذه الدولة الذي سيصبح غداً شعوباً ودولاً، تنصب حدوداً، وتسك نقوداً، وتطبع بطاقات هوية، وتخوض حروباً جديدة للدفاع عن هذه البطاقات.
سيردد الشيعة والسنّة والأكراد عبارات متشابهة: «لم تعد هناك فرصة للتعايش معهم، بذلنا كل الجهود للحفاظ على العراق، لكن الآخرين دفعوا الأمور الى هذه النهاية».
لم تعترف طهران بسهولة بالدولة التي رسمتها حدود سايكس بيكو بداية القرن العشرين، حتى تركيا لم تعترف بها. كان على عراق فيصل بن الحسين ان يشق طريقاً صعباً لنيل شرعية الدولة من جارين، اعتبرا على امتداد خمسة قرون ان بلاد النهرين ليست اكثر من خط تماس عريض بين متحاربين، تماس لاستعراض القوة، ولاستنهاض المذاهب، وتبادل الأدوار.
ستعتبر طهران ان التقسيم يمنحها فرصة استعادة الجنوب الذي كان مطمعاً لتوسيع حدود الدولة الصفوية والقاجارية والبهلوية، قبل ان يغيّر الانكليز معادلات اللعبة، ويعيدها الأميركيون الى سياقها. ربما يقطع التقسيم حلم مد حدود ولاية الفقيه الى البحر المتوسط، لكنه يمنحها كنوز سومر ونفطها!
لن تسعى تركيا الى استعادة الموصل وكركوك، فلم تكن، وهي تعيد انتاج مطالباتها بالمدينتين كلما سنحت الفرصة، تقصد ضمهما، فالأمر لا يتعدى محيط النفوذ، الملعب، والحديقة الخلفية، «البعد الاستراتيجي» الذي انشغل داوود اوغلو لسنوات في الترويج له.
تعترف واشنطن بأخطائها ولكن ليس على طريقة جلد الذات، فالأخطاء حتى المدمرة، لا تعدو كونها «سوء فهم». هكذا حدث عندما أُبيد الهنود الحمر، وعندما أُعدمت هيروشيما وناكازاكي، وعندما احتُل العراق. التقسيم ليس اكثر من عرض جانبي، «نأسف له، لكننا ندعمه، وسنواصل جهودنا لضمان الديموقراطية في الدول الجديدة التي تتشكل غداً في الشرق الأوسط».
أوروبا غارقة في تناقضاتها، هي لا تنام كثيراً في الاساس، تحمّلت رعونة اميركا غرباً، وعدائية روسيا شرقاً، تدرك في قرارة نفسها ان الديموقراطية لن تنجح في حمايتها من مصير مشابه لمصير العراق ذات يوم.
سينام العرب وحدهم، ناموا أعوام 1920 و1958 و 1968و 1980و 1991و2003، وغطّوا في سبات لقرون سبقت هذه التواريخ. سينبري كتّاب الحكّام لتبرير الواقعة بلغة جنائزية: «المؤامرات اكبر من قدرتنا على الاحتمال، انهاء العراق قرار خارجي لم يُستشر العرب به، لدينا من المشاكل والمخاوف ما يكفي، ولا مكان للحزن على بلد عربي يمحى من الخريطة».
يقرر العرب انهم بذلوا قصارى جهودهم لإنقاذ العراق، قرأوا شعراً جيداً ونظّموا مؤتمرات باهظة للدفاع عن القومية العربية: «لا فائدة، انه بلد الشقاق، وربما يكون التقسيم خياراً مريحاً للجميع!».
وحدهم العراقيون سيقضون تلك الليلة الطويلة يحاربون طواحين الهواء، لن يكون ثمة متسع للبكاء على التاريخ، فلا قسمة غرماء ستستوعب ارث بابل، لن ينجحوا في توزيع مسكوكات أكد وأشور، لا وقت للحديث عن بغداد العباسية وحق ملكية شعر المتنبي، سيرددون بهوس عبارة واحدة: «ماذا سيحدث غداً؟» اعتادوا على الانكار، وجُبلوا على إهمال الأسئلة الأساسية مثل «وماذا سيحدث بعد غد!».
يُقنع زعماء الشيعة رعاياهم بأن نفط البصرة يجب ألاّ يُمنح لغير الشيعة، فعلوا ذلك مراراً في السنوات التي سبقت هذه الليلة: «امام الدولة الشيعية المستقلة مستقبل. انتم على اعتاب صنع اعظم دولة في التاريخ»، مهلاً... ألم يردد صدام حسين هذه الجملة قبل بضعة عقود؟ لا يهم من قالها. «المهم انها ستتحقق اخيراً، بجهود المدافعين عن الإسلام الحقيقي».
«الإسلام الحقيقي!»، عبارة يتداولها بإفراط ابناء الدولة السنية المجاورة ايضاً، او ما سيكون بعد ساعات دولة وينشد زعماؤهم بحماسة مفرطة: «سنتخلص اخيراً من ظلم الشيعة... نمتلك النفط والغاز ومفاتيح النهرين الى الجنوب... نؤسس دولة على قياسنا، شعارها الدفاع عما تبقى من الحدود الشرقية للأمة العربية».
يسعى الاكراد الى الدولة منذ عقود. قاتلوا من اجلها. دفعوا اثماناً للحفاظ على تميز هويتهم عن العراق العربي. ربما «كردستان الكبرى» تنتظر بضعة عقود اخرى، لكن كردستان العراق تمتلك كل امكانات الدولة، لتطوي صفحة هذا البلد، بأزماته وارتكاباته.
لن ينام العراقيون، في عيونهم الملح، وفي قلوبهم مخاوف وبعض ما تبقى من خجل مطمور تحت ركام الخرائب، تستوقفهم الأسئلة المؤجّلة: «مَنْ سيتركنا نؤسس الدول الجديدة؟ من قال انها ستكون دولاً حتى»؟
لا يمكن شيعة العراق الذين يمتد نفوذهم التاريخي والثقافي والقومي الى عمق «أهواز» إيران وسواحلها، حيث النفط واللغة والعشائر المنقسمة بين طرفي الحدود، ان يسلّموا ارض الجنوب لبلاد فارس بلا ثمن، لن يكون بامكان اكثر رجال الدين تعاطفاً مع الوحدة الشيعية، وأكثر السياسيين ترعرعاً في الكنف الايراني، اقناع شيعة العراق بمنع عائدات النفط عن السنّة والأكراد لمنحها الى الإيرانيين.
ماذا لو قررت البصرة ان نفطها لا تستحقه السماوة والديوانية وكربلاء؟ وماذا سيفعل السنّة؟ هل يعيدون تأسيس دولة «البعث»؟ ام الدولة الإسلامية في العراق والشام؟ هل هم مستعدون لحرب طويلة مع الأكراد والشيعة على الأرض والماء وحقول النفط المشتركة؟ مَنْ سيدعمهم، هل تهتم تركيا بما بعد حدود الموصل؟ وهل ينشغل العرب بما يحدث خلف الصحراء؟ وهل يرى الأكراد حقاً ان بمقدورهم إنهاء تقاسم النفوذ الإيراني– التركي على أرضهم بقرار سياسي؟ هل يمكن من دون الوضع الجيوسياسي الحالي تحقيق توازن بين تشكيل الدولة وتطمين طهران وأنقرة بأن لا «كردستان كبرى» ستقضم حدودهما الحالية؟
لن ينام العراقيون تلك الليلة، ولا الليالي التي تليها. ستطاردهم العلامات الحدودية وتقسو عليهم التأويلات. للمرة الأولى صار في إمكان المهزوم أن يكتب تاريخه، سيختارون بعد سهر طويل أن يقولوا لأحفادهم: «لم تكن لنا يد في كل ذلك... ما كان يُدعى العراق ضيّعته المصادفات»!

الأربعاء، 4 يونيو 2014


القوّاد أكثر شرفاً .
هذه القصة واقعية حدثت في الستينيات من القرن الماضي . يرويها لنا أحد سائقي التاكسي الذين كانوا يعملون في بغداد وبالتحديد مابين منطقتي الباب الشرقي وباب المعظم . كانت منطقة الميدان والقريبة من منطقة باب المعظم معروفة لأهالي مدينة بغداد بوجود أكثر من بيت للدعارة فيها . يروي لنا سائق التاكسي بأنه في أحد الأيام وبينما كان يحمل راكباً من الميدان الى باب الشرقي ، حاولت إمرأتين أن توقف السيارة . عندها صاح الراكب بسائق التاكسي : عمي لا توگف لا توگف وآني أنطيك كروتهم . إستغرب سائق التاكسي لهذا الطلب ولكنه عمل بنصيحة الراكب ومضى في طريقه . وعند الوصول الى منطقة الباب الشرقي ، أخرج الراكب نقوده وحاول أن يدفع أجرته مع أجرة الإمرأتين . عندها قال له سائق التاكسي : عمي بس گلي شنو السبب اللي ماخلّيتني أشيل النسوان وكروتهم على حسابي ؟ عندها ضحك الراكب وقال : عمي آني أشتغل گوّاد والناس كلها تعرفني وهذولة النسوان مبينين بنات أوادم ، أخاف أحد يشوفني وياهم ويظن السوء بيهم . عندها رفض سائق التاكسي من أخذ الفلوس من الراكب لشهامته.
LikeLike ·  · 

الاثنين، 2 يونيو 2014


عبد الرزاق عبد الواحد
دَمعٌ لبغداد.. دَمعٌ بالمَلايينِ
مَن لي ببغداد أبكيها وتبكيني؟
مَن لي ببغداد؟.. روحي بَعدَها يَبسَتْ
وَصَوَّحتْ بَعدَها أبهى سناديني
عدْ بي إليها.. فقيرٌ بَعدَها وَجعي
فقيرَة ٌأحرُفي.. خرْسٌ دَواويني
قد عَرَّشَ الصَّمتُ في بابي وَنافِذَتي
وَعششَ الحُزنُ حتى في رَوازيني
والشعرُ بغداد، والأوجاعُ أجمَعها
فانظرْ بأيِّ سهامِ المَوتِ ترميني؟!
***
عدْ بي لبغداد أبكيها وتبكيني
دَمعٌ لبغداد.. دَمعٌ بالمَلايين
عُدْ بي إلى الكرخ.. أهلي كلهُم ذُبحُوا
فيها.. سأزحَفُ مَقطوع َالشرايين
حتى أمُرَّ على الجسرَين.. أركضُ في
صَوبِ الرَّصافةِ ما بينَ الدَّرابين
أصيحُ: أهلي... وأهلي كلهُم جُثثٌ
مُبعثرٌ لَحمُها بينَ السَّكاكين
خذني إليهم.. إلى أدمى مَقابرِهم
للأعظميةِ.. يا مَوتَ الرَّياحين
وَقِفْ على سورِها، واصرَخْ بألفِ فم
يا رَبة َالسور.. يا أُمَّ المَساجين
كم فيكِ مِن قمَرٍ غالوا أهلتهُ؟
كم نجمَةٍ فيكِ تبكى الآنَ في الطينِ؟
وَجُزْ إلى الفضلِ.. لِلصَّدريَّةِ النحِرَتْ
لحارَةِ العدلِ.. يا بؤسَ المَيادين
كم مَسجدٍ فيكِ.. كم دارٍ مُهدَّمَةٍ
وَكم ذ َبيح عليها غيرِ مَدفون؟
تناهَشتْ لحمَهُ الغربانُ، واحترَبَتْ
غرثي الكِلابِ عليهِ والجراذينِ
يا أُمَّ هارون ما مَرَّتْ مصيبتنا
بأُمةٍ قبلنا يا أُمَّ هارونِ!
***
أجرى دموعاً وَكبرى لا يُجاريني
كيفَ البكا يا أخا سبْع ٍوَسبعينِ؟!
وأنتَ تعرفُ أنَّ الدَّمعَ تذرفهُ
دَمعُ المُروءَةِ لا دَمعَ المَساكين!
***
دَمعٌ لفلوجةِ الأبطال.. ما حَمَلتْ
مَدينة ٌمِن صِفاتٍ، أو عناوين
للكِبرياءِ.. لأفعال ِالرِّجال ِبها
إلا الرَّمادي.. هنيئا ًللمَيامين!
وَمرحبا ًبجباه لا تفارِقها
مطالعُ الشمس في أيِّ الأحايين
لم تألُ تجأرُ دَباباتهم هلعا
في أرضِها وهيَ وَطفاءُ الدَّواوين
ما حَرَّكوا شَعرَة ًمِن شيبِ نخوَتِها
إلا وَدارَتْ عليهم كالطواحين!
***
يا دَمعُ واهملْ بسامَرَّاء نسألها
عن أهل ِأطوار.. عن شمِّ العَرانين
لأربعٍ أتخمُوا الغازينَ مِن دَمِهم
يا مَن رأى طاعنا ًيُسقى بمَطعون!
يا أُختَ تلعفرَ القامَتْ قيامَتها
وأُوقدَتْ حولها كلُّ الكوانين
تقولُ برلين في أيام ِسطوَتِها
دارُوا عَليها كما دارُوا ببرلين
تناهبُوها وكانتْ قرية ًفغدَتْ
غولا ًيقاتلُ في أنيابِ تنينِ!
***
وَقِفْ على نينوى.. أُسطورَة ٌبفمي
تبقى حُروفكِ يا أٌمَّ البراكين
يا أُختَ آشور.. تبقى مِن مَجَرَّتهِ
مَهابَة ٌمنكِ حتى اليوم تسبيني
تبقى بوارِقهُ، تبقى فيالقهُ
تبقى بيارِقهُ زُهرَ التلاوين
خفاقة في حنايا وارِثي دَمه
يحلقونَ بها مثلَ الشواهين
بها، وَكِبرُ العراقيين في دَمِهم
تداوَلوا أربعا ًجَيشَ الشياطين
فرَكعُوه ُعلى أعتابِ بَلدَتهم
وَرَكعُوا مَعهُ كلَّ الصَّهايين!
***
يا باسقاتِ ديالى.. أيُّ مَجزَرَة
جَذَّتْ عروقكِ يا زُهرَ البَساتين؟
في كلِّ يَومٍ لهُم في أرضِكِ الطعِنتْ
بالغدرِ خِطة أمْن غيرِ مأمون
تجيشُ أرتالهُم فوقَ الدّروع بها
فتترُكُ السوحَ مَلأى بالقرابين
وأنتِ صامِدَة ٌتستصرِخينَ لهُم
مَوجَ الدِّماءِ على مَوج ِالثعابين
وكلما غرِقوا قامَتْ قيامَتهم
فأعلنوا خطة أُخرى بقانون!
***
يا أطهرَ الأرض.. يا قدِّيسة َالطين
يا كربلا.. يا رياضَ الحُورِ والعِين
يا مَرقدَ السيدِ المَعصوم.. يا ألقاً
مِن الشهادَةِ يَحمى كلَّ مِسكين
مُدِّى ظِلالكِ للإنسان في وَطني
وَحَيثما ارتعشتْ أقدامُهُ كوني
كوني ثباتاً لهُ في ليلِ مِحنتهِ
حتى يوَحدَ بينَ العقلِ والدِّينِ
حتى يَكونَ ضَميرا ًناصِعاً، وَيَداً
تمتدُّ للخيرِ لا تمتدُّ للدُّون
مَحروسة ٌبالحُسَينِ الأرضُ في وَطني
وأهلها في مَلاذٍ منهُ ميمون
ما دامَ في كربَلا صَوتٌ يَصيحُ بها
إنَّ الحُسينَ وَليٌّ للمَساكين
***
يا جرحَ بَغداد.. تدرى أنني تعِبٌ
وأنتَ نصلٌ بقلبي جدُّ مَسنونِ
عدْ بي إليها، وَحَدِّثْ عن مروءَتها
ولا تحاولْ على الأوجاع تطميني
خذني إلى كلِّ دارٍ هدِّمَتْ، وَدَم
فيها جرى، وَفم ٍحرٍّ يناديني
يَصيحُ بي أيها الباكي على دَمِنا
أوصِلْ صَداكَ إلى هذى المَلايين
وقلْ لها لمْلمي قتلاكِ وأتحِدى
على دِماكِ اتحادَ السين والشين
مِن يومِ كانَ العراقُ الحُرُّ يَغمُرُهُم
حباً إلى أن أتى مَوجُ الشعانين!
***
دَمعٌ لبغداد.. دَمعٌ بالمَلايين
دَمعٌ على البُعدِ يَشجيها وَيَشجيني
Like ·  ·